محمد بن أحمد الفرغاني
41
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
ياؤها لتصير علما لتلك الهوية والأنائية ، والكل أمور نسبية معدومة لأنفسها لا وجود لها إلّا في علم العالم بها . وهذه الحضرة العمائية هي التي يظهر فيها الحق بصفات الخلق متنزّلا من رتبته المختصّة به ، وهي حضرة الوجوب ، فيضاف إليه تعالى وتقدّس كل ما يضاف إلى الخلق من تعجّب وتردّد وضحك وتبشبش وأمثال ذلك ، ويظهر الخلق فيها بصفات ربّه عند تخلّصه من قيود الكثرة وارتقائه من حضيض المراتب الكونية ؛ كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص والاتّصاف بصفة الحقية والسبحانية وأمثال ذلك . وعن هذه الحضرة العمائية عنى صلى اللّه عليه وسلم حين سئل : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ فقال : « كان في عماء ما فوقه هواء ، وما تحته هواء » « 1 » ، والعماء في لغة العرب غمام رقيق يحول قليلا بين الناظر وبين النور الشمسي ، وهذا البرزخ بلطفه ورقّته حائل بين عين النور الوجودي الظاهري ، وبين النظر المضاف إلى العين الثابتة ، الذي هو من عين النور الوجودي الباطني ، الذي هو باطن كل حقيقة ممكنة ، وهذا التجلّي الثاني الوجودي الظاهري العيني سار في هذه الحضرة العمائية ظاهر بصورة التربية والإصلاح للحقائق الأسمائية بإظهار آثارها في الحقائق الكونية ومقتضياتها ، وللحقائق الكونية بإظهار أحكامها بإضافة الوجود العيني إليها . وأما هذا البرزخ باعتباره الإجمالي ، فهو عين الحقيقة الإنسانية والرتبة الكمالية التي هي ميزان حقيقة الكمال وحاق الاعتدال المندرجة فيه من حيث هذا الاعتبار الإجمالي . هذه الحقائق السبعة التي هي الأصول المعينة لأئمّة الأسماء السبعة ، وحقائق الكمّل من الأنبياء والأولياء غير نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم مندرجة فيه ، وتظهر في المراتب على البدل بغلبة أثر خفي ، من إحدى هذه الحقائق السبعة على كل واحد مع اشتماله على حكم الباقي . وأمّا باقي الأناسي ، فحقائقهم منتشئة من هذه الأصول وفروعها وفروع فروعها وهلمّ جرّا ، متميّزة في الحضرة العمائية ومفصّلة فيها بحسبها ما بين قريب من أصلها وميزانها ، وأقرب وبعيد وأبعد من الكمال أولا ، ومن الأكملية المختصّة بالحقيقة المحمّدية ثانيا ، فإن أثر هذا البرزخ الأكملي والكاملي سار في
--> ( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الأخبار عمّا كان اللّه فيه قبل خلقه . . . ، حديث رقم ( 6141 ) [ 14 / 8 ] ؛ وأحمد في المسند ، حديث رقم ( 16245 ) [ 4 / 12 ] ورواه غيرهما .